وهبة الزحيلي

186

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

قدّر اللّه ، وما شاء فعل ، ولا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا ، فإن : لو تفتح عمل الشيطان » . و أخرج أحمد والترمذي والحاكم عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له : « يا غلام ، إني أعلّمك كلمات : احفظ اللّه يحفظك ، احفظ اللّه تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل اللّه ، وإذا استعنت فاستعن باللّه ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللّه لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللّه عليك ، رفعت الأقلام ، وجفّت الصحف » . ومن المعلوم أن الكتابة لا تغني الجبر والفرض على العباد ، والعلم السابق بالأشياء لا يدل على الإلزام ، وإنما يدل على أن جميع ما في الكون معلوم سابقا للّه تعالى . ثم أوضح اللّه تعالى نفاذ مشيئته في خلقه ، ونفاذ قدره فيهم ، فقال : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ أي إن أمرنا بإيجاد الأشياء إنما يكون مرة واحدة ، لا حاجة فيه إلى تأكيد ثان ، فيكون الذي نأمر به بكلمة واحدة حاصلا موجودا كلمح البصر في سرعته ، لا يتأخر طرفة عين . ولمح البصر : إغماض البصر ، ثم فتحه . وهذا تمثيل وتقريب لسرعة نفاذ المشيئة في إيجاد الأشياء ، فهو كلمح البصر أو أقرب ، كما قال تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ [ يس 36 / 82 ] . ثم أعاد تعالى التنبيه للحق والاتعاظ بهلاك السابقين ، فقال : وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ؟ أي وتاللّه لقد أهلكنا أمثالكم وأشباهكم في الكفر يا معشر قريش ، من الأمم السابقة المكذبين بالرسل ، فهل